في تلك الدقائق الخمس والأربعين، نجح الفريق الطبي الذي ضم الدكتورة عليا الجبري وفنيي التخدير والتمريض، في استئصال مرارة المريضة باستخدام الروبوت الكوري الجنوبي Revo-i. وبينما كان الجراح يراقب المشهد عبر شاشات عالية الدقة، كانت الأذرع الآلية تعمل بثبات يمنع أي ارتعاش بشري، محولةً الجراحة التقليدية إلى عمل فني يتسم بالدقة المتناهية والحد الأدنى من التدخل الجراحي.
لم يكن هذا الإنجاز مجرد استعراض تقني، بل كان انحيازاً إنسانياً للعدالة الطبية. فبينما كانت هذه التقنيات حكراً على المصحات الخاصة والميزانيات الضخمة، استطاع مستشفى شارل نيكول — هذا الصرح الذي يحمل اسم العالم الذي اكتشف لغز التيفوس في تونس — أن ينقل "جراحة المستقبل" إلى قلب القطاع العام، ليصبح متاحاً لكل مريض يطرق بابه.
منذ تلك اللحظة في منتصف شهر نوفمبر، لم يتوقف الروبوت عن العمل؛ فقد أتم الفريق نحو عشرين جراحة متنوعة شملت استئصال أورام القولون وغيرها من الأمراض الهضمية. الدكتور نويرة، الذي يرى في هذه الآلة شريكاً لا مجرد أداة، يطمح اليوم لتحويل المركز إلى مدرسة وطنية، حيث تتدرب أجيال من الجراحين من مختلف التخصصات على لغة الطب القادمة.
كانت ذراع الروبوت تعمل بثبات تام في منطقة الجراحة، مما منحنا دقة لم نكن نصل إليها إلا بشق الأنفس في الجراحات التقليدية.
وعندما غادرت المريضة الأولى المستشفى وهي في كامل عافيتها، لم تحمل معها جروحاً صغيرة فحسب، بل حملت دليلاً حياً على أن العلم حين يقترن بالإرادة، يمكنه أن يكسر قيود التكلفة ويصل إلى أبسط الناس في أروقة المستشفيات الحكومية.