لم يكن البعوض الفطري، الذي لا يتجاوز طوله بضعة مليمترات، يمثل للناظر العادي سوى جزء من غبار الغابة المتطاير، لكن بالنسبة للفريق البحثي في سنغافورة، كانت كل حشرة تمثل لغزاً وراثياً. باستخدام تقنيات ترميز الحمض النووي، تمكن العلماء من تمييز 120 نوعاً من فصيلة Mycetophilidae، تبين أن 115 منها لم تكن معروفة للعالم من قبل، وهي تعيش في مساحات خضراء محاصرة بالأبراج الشاهقة.

في لفتة تتجاوز صرامة المختبر، قرر الباحثون ربط هذه الاكتشافات العلمية بتقدير اجتماعي، فأطلقوا أسماء نساء رائدات على الأنواع الجديدة. إنها محاولة لغرس الاعتراف بالدور البشري داخل جفاف المصطلحات اللاتينية، حيث يصبح جناح حشرة رقيق مرآة لذكرى امرأة تركت أثراً في مجتمعها.

تعيش هذه الحشرات البالغة حياة قصيرة وحثيثة، لا تتعدى سبعة أيام، تكرسها بالكامل للتكاثر قبل أن تصبح غذاءً للعناكب والطيور في نظام بيئي دقيق. وبالرغم من قصر عمرها، فإن وجودها يعد مؤشراً حيوياً على صحة التربة والغابات المتبقية في الجزيرة، حيث تواصل اليرقات عملها الصامت في استهلاك الفطريات وتحليل المادة العضوية.

يعيد هذا المسح المنهجي، الذي تدعمه هيئة المتنزهات الوطنية، تذكيرنا بما كتبه الطبيعي ألفريد راسل والاس حين جمع آلاف العينات من غابات "بوكيت تيماه" في منتصف القرن التاسع عشر. فبرغم مرور أكثر من مئة عام من الزحف العمراني، لا تزال الطبيعة تحتفظ بأسرارها في جيوب صغيرة، تنتظر من ينظر إليها بعين الفضيل والتقدير، ليمنحها اسماً ومكاناً في ذاكرة البشر.