لم تكن الجراحة التي أجريت تحت إشراف د. أحمد عبد الحميد مجرد إجراء طبي روتيني، بل كانت سلسلة من التدخلات المعقدة التي استوجبت حضوراً ذهنياً وجسدياً استثنائياً. على مدار نصف يوم وليلة كاملة، تكاتفت تخصصات جراحة الأعصاب، والوجه والفكين، والصدر في غرفة واحدة، حيث كان كل خيط جراحي يُغرس يمثل تمسكاً بالحياة في مواجهة تدهور مستويات الهيموجلوبين التي بلغت حدوداً دنيا مخيفة.
كانت الحركة داخل غرفة العمليات تتسم بإيقاع رصين؛ أيدٍ تتحرك بدقة تحت أضواء ساطعة، وصوت أجهزة القياس الرتيب الذي كان الشاهد الوحيد على مرور الساعات. وبينما كان الدم يتدفق من البنك الإقليمي ليعوض ما فُقد، كان الأطباء يتجاوزون حدود الإرهاق البشري، متمسكين بالأمل التقني والإنساني في آن واحد.
هذا المستشفى، الذي يقع عند المدخل الشمالي لقناة السويس، خضع لعملية تحديث هيكلية شاملة قبل اعتماده رسمياً. واليوم، لم تعد القيمة تكمن في الجدران المرممة أو الأجهزة الحديثة فحسب، بل في قدرة الإنسان على استخدام هذه الأدوات بكفاءة في أصعب اللحظات. إن نجاح هذا التدخل يعكس التحول الصامت الذي شهدته المنطقة منذ البدء في تطبيق معايير الاعتماد الدولية.
ومع بزوغ الفجر، وبعد خمس عشرة ساعة من العمل المجهد، خرج الفريق الطبي من غرفة العمليات. لم تكن هناك كلمات احتفالية، بل مجرد إيماءات متعبة تنم عن الارتياح، حيث غادر المريض الغرفة حياً، تاركاً خلفه ليلة ستظل محفورة في سجلات المشفى كواحدة من تلك اللحظات التي ينتصر فيها الإخلاص المهني على حتمية الفناء.