هذا الطائر، الذي اختارته المنطقة رمزاً لها لصلابة عوده، يمارس حرفة قديمة تتطلب صبراً هائلاً. يشترك الذكر والأنثى في بناء بيت يصل وزنه أحياناً إلى خمسة كيلوغرامات، وهو جهد يتطلب منهما القيام بمئات الرحلات لجمع الطين والقش، خاصة بعد هطول الأمطار التي تجعل المادة طيعة تحت مناقيرهما الصغيرة.
في كلية العلوم، أدرك فريق البحث أن مراقبة هذه الدورات الحياتية تتجاوز قدرة المختبرات المغلقة. أطلقوا تطبيقاً بسيطاً يتيح لكل مواطن أن يصبح عيناً للعلم، يسجل اللحظة التي يقرر فيها الطائر أن يبدأ البناء، والمدة التي يستغرقها لإتمام منزله الذي يشبه الفرن التقليدي، وهو ما منح الطائر اسمه "الفرنار".
لا يقتصر الهدف على مجرد رصد الطيور، بل يتعداه إلى فهم كيف تغير التحولات المناخية من "المحفزات الموسمية" التي تخبر الطيور متى تبدأ العمل. فالعش المهجور لا يذهب سدى، بل يظل قائماً لسنوات، ليتحول إلى نزل مجاني لطيور أخرى مثل السنون والشرشور التي لا تملك مهارة البناء ذاتها.
بينما ينشغل العالم بالأرقام الكبرى، يراقب سكان الأوروغواي اليوم تلك الحركة الدؤوبة للمناقير الصغيرة. إنها لحظة من العناية الهادئة، حيث يصبح رصد طائر فوق عمود كهرباء عملاً علمياً يربط المجتمع ببيئته، ويحول الملاحظة اليومية البسيطة إلى سجل لحماية إرث طبيعي مشترك.