لم تكن تلك الدقائق الخمس والأربعون التي استغرقتها العملية مجرد إجراء طبي ناجح، بل كانت ثمرة رحلة بدأت من تونس وصولاً إلى مختبرات شركة Meere Company في كوريا الجنوبية. هناك، تدرب نويرة، رئيس قسم الجراحة العامة "ب"، على تطويع هذه الآلة التي صُممت لتكون بديلاً أقل كلفة من التقنيات الأمريكية، مما يفتح باباً جديداً للدول التي تسعى لتحديث أنظمتها الصحية دون أعباء مالية خانقة.

بجانبه، كانت الدكتورة علياء الجبري، رئيسة قسم التخدير والإنعاش، تراقب المؤشرات الحيوية للمريضة التي لم تحتج لأكثر من يوم واحد قبل أن تغادر المستشفى سيرًا على قدميها. هذا الهدوء الذي تلا العملية هو ما يبحث عنه نويرة؛ فالدقة التي توفرها الرؤية ثلاثية الأبعاد والأدوات التي تدور بزاوية 360 درجة لا تقلل فقط من حجم الجروح، بل تختصر أيام المعاناة في غرف الاستشفاء.

يرتبط اسم مستشفى شارل نيكول في الذاكرة التونسية بتاريخ طويل من مكافحة الأوبئة، حيث تأسس عام 1897 وحمل اسم العالم الذي اكتشف دور القمل في نقل مرض التيفوس. واليوم، يضيف نويرة فصلاً جديداً لهذا الإرث، ليس بالبحث في المجهر، بل بالتحكم في تكنولوجيا كانت حتى وقت قريب حكراً على المصحات الكبرى. لقد أتم الفريق بالفعل عشرين عملية ناجحة شملت استئصال أورام القولون وجراحات الجهاز الهضمي المعقدة.

لا يتوقف طموح نويرة عند حدود غرفة العمليات الخاصة به، إذ يسعى لإنشاء مركز وطني للتدريب على الجراحة الروبوتية داخل المستشفى الجامعي. بالنسبة له، ليست الآلة بديلاً عن الإنسان، بل هي وسيلة تمكن الجرّاح من ممارسة فنه بأقل قدر من الضجيج وبأقصى درجات الرعاية، مؤكداً أن المستقبل ليس في الأدوات نفسها، بل في قدرتنا على وضعها في خدمة الجسد البشري بكرامة وكفاءة.