لسنوات طويلة، كان مريض السل المقاوم للأدوية في مصر يواجه رحلة شاقة تمتد لعامين، يستهلك خلالها ما يصل إلى 14,000 قرص دواء، ويتحمل شهوراً من الحقن اليومية التي كانت تحمل في طياتها خطر فقدان السمع الدائم. اليوم، وبقرار من وزارة الصحة والسكان وبإشراف الوزير الدكتور خالد عبد الغفار، تم استبدال هذا العبء الثقيل بنظام فموي حديث يعتمد على مركبات متطورة مثل البيداكيلين، مما يمنح المريض فرصة الشفاء في أقل من نصف المدة السابقة.
هذا التحول التقني يلامس بشكل مباشر حياة الفئات الأكثر هشاشة؛ فالمريض الذي أضعفه الفشل الكلوي يجد نفسه اليوم تحت مجهر الرعاية المكثفة. ومن خلال توجيهات الدكتور وجدي أمين، مدير إدارة الأمراض الصدرية، وصلت فرق الفحص إلى مراكز الغسيل الكلوي في القاهرة والغربية والمنوفية والفيوم وسوهاج، لتقديم العلاج الوقائي المجاني لمن يحملون العدوى الكامنة، قبل أن تتحول إلى مرض نشط يهدد حياتهم.
يعود تاريخ هذا الداء في أرض النيل إلى آلاف السنين، حيث سجلت عظام المومياوات آثار "مرض بوت" منذ عام 3400 قبل الميلاد. وإذا كان القدماء قد سعوا للاستشفاء بهواء حلوان الجاف، فإن العلم الحديث اليوم يستخدم شفرات الحمض النووي لتحديد المقاومة الدوائية في دقائق معدودة، وهو انتصار هادئ للإرادة البشرية في معركتها الطويلة ضد البكتيريا.
إن نجاح مصر في الوصول بمعدلات الاكتشاف إلى أكثر من 90% من الحالات المتوقعة، ليس مجرد رقم في سجلات منظمة الصحة العالمية، بل هو طمأنينة لكل إنسان كان يخشى العدوى. فكل مريض يبدأ علاجه اليوم هو حلقة تُكسر في سلسلة انتقال المرض، وفصل جديد يكتبه الأطباء في كتاب التخلص النهائي من السل بحلول عام 2030.