لم يكن هذا المشروع، الذي قاده جون نيوبي وفريقه في مؤسسة محافظة الصحراء بالتعاون مع حكومة تشاد وهيئة البيئة في أبوظبي، مجرد تجربة بيئية، بل كان استعادة لذاكرة الأرض. فبعد أن أعلن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة انقراض المها أبو حراب في البرية عام 2000، بدا أن النوع قد حُكم عليه بالبقاء خلف الأسوار فقط. لكن الإرادة البشرية اختارت مساراً آخر، حيث جُمعت الأفراد من حدائق حيوان ومجموعات خاصة حول العالم لبناء "قطيع عالمي" يمتلك التنوع الجيني اللازم للبقاء.

تتحرك هذه الحيوانات اليوم كمهندسين للطبيعة؛ فبينما تتجول في المحمية الشاسعة، تساعد في إنبات البذور وتحسين جودة التربة، مما يساهم في صد زحف التصحر. وقد أثمر هذا الجهد في ديسمبر 2023، عندما تراجع تصنيف النوع من "منقرض في البرية" إلى "مهدد بالانقراض"، وهي واحدة من الحالات القليلة في التاريخ التي يعود فيها حيوان من حافة العدم بهذه القوة.

يعد المها أبو حراب معجزة في التكيف الحيوي؛ إذ يمتلك جسداً أبيض ناصعاً يعكس أشعة الشمس الشديدة، وشبكة معقدة من الأوعية الدموية في الوجه تعمل على تبريد الدم المتجه إلى الدماغ. وبإمكانه العيش لعشرة أشهر كاملة دون شرب قطرة ماء واحدة، مستخلصاً الرطوبة من النباتات التي يقتات عليها في جوف الليل.

لكن الحارس الحقيقي لهذه القطعان ليس العلم وحده، بل هم الرعاة المحليون الذين صاروا جزءاً من نظام الحماية. يراقبون حركة القطعان، ويبلغون عن الأمراض، ويساهمون في إطفاء حرائق الغابات ومنع الصيد الجائر. بالنسبة لهؤلاء الرعاة، فإن رؤية المها يعيد صياغة علاقتهم ببيئتهم، ويمهد الطريق لعودة أنواع أخرى أوشكت على الرحيل، مثل غزال الآدكس والمهر.

هذا الحيوان الذي ألهم أساطير أحادي القرن في أوروبا القديمة، يعود اليوم ليثبت أن الإرادة البشرية المنضبطة قادرة على إصلاح ما أفسده الصيد الجائر في عقود خلت.