في أروقة جامعة لندن ومستشفى غريت أورموند ستريت، كان الجراح والباحث باولو دي كوبي يواجه معضلة قديمة: كيف نصلح مريئاً لم يكتمل نموه؟ الحل التقليدي كان يتطلب سحب معدة الطفل إلى صدره، وهي جراحة قاسية تترك خلفها ندوباً واضطرابات هضمية تلازم الإنسان طوال عمره. لكن دي كوبي اختار طريقاً آخر، طريقاً يبدأ بغسل مريء مستعار من كائن آخر بمنظفات كيميائية دقيقة حتى يتجرد من خلاياه تماماً، ليصبح مجرد إطار من الكولاجين، أنبوب أبيض نصف شفاف يشبه الحلم في بياضه.
هذا الهيكل "الشبح" يُحقن لاحقاً بخلايا عضلية وأنسجة ضامة جرى تحويلها إلى خلايا جذعية. وفي داخل مفاعل حيوي يحاكي ظروف الجسد البشري، تُركت الأنسجة لتنمو وتتعلم كيف تصبح مريئاً حقيقياً لمدة شهرين، تحت مراقبة دقيقة من الفريق الذي يسابق الزمن لإنقاذ الصغار الذين يعانون من رتق المريء طويل الفجوة.
أثبتت التجربة نجاعتها حين تم زرع مقاطع بطول 2.5 سم في نماذج حيوية، حيث استعادت الأنسجة المهندسة وظائف العضلات والأعصاب بشكل طبيعي. ولم تعد المسألة مجرد أنبوب للعبور، بل استعادة للحركة التلقائية التي تسمح بالبلع. هذا الإنجاز، الذي سلطت الصحافة الصحية في مصر الضوء عليه، يمثل تحولاً جذرياً لمرضى السرطان الصغار الذين يفقدون أجزاءً من جهازهم الهضمي، وللمواليد الذين يحتاجون إلى معجزة بيولوجية ليعيشوا حياة طبيعية.
إن ما حققه باولو دي كوبي ليس مجرد انتصار تقني، بل هو فعل من أفعال الرعاية الإنسانية العميقة. فبدلاً من إعادة تشكيل أعضاء الجسم الحالية وإجهادها، أصبح بإمكاننا اليوم أن ننمي العضو المفقود خارج الجسد، ليعود إليه غريباً مألوفاً، قادراً على منح الطفل أولى خطواته نحو استقلالية الجسد: القدرة على تناول طعامه دون ألم.