لم يكن هذا المستشفى، الذي انطلق في عام 2006، مجرد مركز طبي عابر، بل تحول إلى مستقر أخير لمن استعصت إصاباتهم على العلاج التقليدي. الفريق الطبي الذي يضم جراحي عظام وفك ووجه وتجميل، طور خبرة فريدة في التعامل مع شظايا القذائف والحروق البليغة التي لا تُرى إلا في مناطق الحروب المشتعلة. وفي عام 2024 وحده، تمكن الفريق من استقبال عشرة أطفال من قطاع غزة، خضعوا لسلسلة من الجراحات الترميمية التي أعادت لهم بعضاً مما سلبته الغارات الجوية.
خلف جدران غرف العمليات، تدور معركة من نوع آخر ضد بكتيريا شرسة. يواجه الأطباء تحدي المقاومة الميكروبية التي يحملها المرضى معهم من المستشفيات الميدانية المنهكة. ولأجل ذلك، أُسس مختبر للأحياء الدقيقة داخل المرفق، حيث تُفحص عينات من نخاع العظام بدقة متناهية لوصف المضادات الحيوية المناسبة قبل البدء بأي تدخل جراحي ترميمي، لضمان ألا يضيع جهد الجراحين سدى أمام عدوى خفية.
يتجاوز العمل هنا حدود الجراحة التقنية؛ ففي زوايا المستشفى، تعمل طابعات ثلاثية الأبعاد على تشكيل أقنعة شفافة ومخصصة لضحايا الحروق، تُلبس فوق الوجه لتضغط على الأنسجة وتمنع تشوهها أثناء الالتئام. وببصيرة نافذة، أدرك القائمون على المكان أن ترميم الجسد لا يكتمل دون إعادة دمج الإنسان في مجتمعه، فأطلقوا ورشاً لتعليم المرضى ومرافقيهم حرفاً كصناعة العطور وتصفيف الشعر، لتكون بمثابة جسر يعودون عبره إلى حياتهم اليومية.
بعد آلاف العمليات الجراحية، يدرك الفريق أن المهمة لا تنتهي بقطب الجروح، بل باستعادة الكرامة الإنسانية التي شوهتها الحرب.
بينما يتماثل المرضى للشفاء في البيوت المخصصة لهم بالقرب من المستشفى، يواصل مارك شاقل، رئيس البعثة، وفريقه التخطيط لسنوات قادمة من العمل. فالحاجة إلى هذه الأيدي الماهرة لا تتوقف، وطالما بقيت الندوب في الأجساد، سيبقى هذا المرفق مكاناً يُعاد فيه صياغة ملامح المستقبل، غرزة تلو الأخرى.