في فيلمه "دلتا الدانوب وقوة الطبيعة الشافية"، لا يكتفي روندو بتصوير المناظر الطبيعية، بل يغوص في تفاصيل الإرادة البشرية التي لم تتوقف حتى حين بدأت المدافع بالدوي في الجوار. في منطقة أوديسا، واصلت الفرق الميدانية عملها اللوجستي المعقد، متحدية انقطاعات التيار الكهربائي وتضرر البنية التحتية، لتأمين وصول قطعان الجاموس المائي وخيول الكونيك إلى قلب الشبكة النهرية.

على جزيرة إرماكوف، يظهر أحد أقوى مشاهد الفيلم وأكثرها بساطة: حيوانات الجاموس الضخمة وهي تقضم بهدوء رصين نحو 30 كيلوغراماً من النباتات يومياً. هذا الفعل الحيوي البسيط ليس مجرد غذاء، بل هو عمل هندسي طبيعي يفتح الممرات المائية المختنقة، مما يسمح للأسماك والطيور بالعودة إلى بيئتها الأصلية، ويمنح الصيادين المحليين سبباً للبقاء والتمسك بأرضهم.

لقد اختار روندو أن يربط بين تعافي النظم البيئية وقدرة المجتمعات المحلية في أوكرانيا على الصمود. فبينما تتغير ملامح الخرائط بفعل النزاعات، تظل الدلتا، التي تشكلت عبر آلاف السنين من ترسبات عشر دول أوروبية، تذكيراً بالاستمرارية. هناك، حيث ينمو اليابس بمقدار أربعين متراً كل عام بفعل طمي النهر، يجد السكان في عودة الطيور الجارحة ونمو المساحات الخضراء نوعاً من السكينة التي افتقدوها في مدنهم.

إن هذا العمل الوثائقي، الذي أبصر النور في يوم إعادة التوطين البري العالمي، يضعنا أمام حقيقة أن حماية الطبيعة ليست ترفاً علمياً، بل هي فعل رعاية متبادل. فبينما يعيد البشر بناء القنوات وحماية القطعان، ترد الطبيعة الجميل بمنحهم مكاناً تتجدد فيه الحياة، بعيداً عن مرارة الدمار، ليصبح النهر شريان عيش يتجاوز حدود الجغرافيا وضجيج السلاح.