لم يكن اختيار الطلاب الجدد في مطلع هذا العام مجرد إجراء إداري، بل كان استمراراً لعهد قطعه السير أبيرانا نغاتا في عام 1926. في ذلك الوقت، كان الخوف من ضياع الفنون التقليدية للماوري حقيقياً وملموساً، مما دفعه لتأسيس معهد الفنون والحرف اليدوية ليكون درعاً يحمي الذاكرة من النسيان. اليوم، تقف بينيت، بصفتها "تومو" أو رئيسة النساجين، لتراقب الأيدي الشابة وهي تتعلم كيف تترك الأوراق الثلاث المركزية في شجيرة الكتان دون قطع، التزاماً ببروتوكول "تيكانغا" الذي يضمن بقاء النبتة واستمرار الحياة.
الطريق إلى الإتقان في مدرسة "تي ريتو" ليس سهلاً؛ فهو يتطلب عامين من الدراسة الكاملة، حيث يتعلم الطلاب ليس فقط تقنيات النسج المعقدة، بل وأيضاً كيفية التعامل مع مواد الطبيعة المتقلبة. يجمعون نبات "بينغاو" من السواحل للحصول على اللون الأصفر الزاهي، ويتسلقون الغابات بحثاً عن كرمة "كيكي" الخشبية، في رحلة تجمع بين الجهد البدني والاتصال الروحي بالأرض.
مرت هذه المؤسسة بلحظات حرجة كادت أن تنهي مسيرتها، لعل أقساها كان إغلاق المدرسة في عام 1937 تحت وطأة الكساد الكبير. لكن الروح التي زرعها نغاتا ظلت كامنة في صدور الحرفيين حتى صدر قانون المعهد في عام 1963، الذي أعاد للمكان نبضه التشريعي والمادي. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف خريجو المعهد عن ترميم بيوت الاجتماعات في جميع أنحاء البلاد، حاملين معهم المهارة التي صُقلت في روتوراوا.
يستخرج النساجون الخيوط من الكتان عن طريق كشط الطبقة الخضراء بصدفة محار، في عملية يدوية دقيقة تجعل من كل ثوب قصة صبر طويلة.
واليوم، لا يكتفي النساجون بالحفاظ على الماضي، بل يمدون خيوطهم نحو المستقبل الأكاديمي؛ ففي عام 2021، نالت ثلاث نساجات أول درجة دكتوراه مشتركة في فن النسج، مما نقل هذه الحرفة من أروقة المشاغل التقليدية إلى أرفع منصات البحث العلمي. إنها الرحلة ذاتها التي تبدأ بلمسة يد وتنتهي بصياغة هوية أمة، خيطاً تلو الآخر.