لسنوات طويلة، استسلم سكان المدينة للواقع المرير؛ فنهر خام الذي يمتد بطول 72 كيلومتراً، والذي كان يوماً يغذي القنوات المائية التاريخية التي صممها مالك عنبر في القرن السابع عشر، تحول إلى قناة للصرف الصحي. حددت السلطات 130 نقطة تدفق للمجاري الخام تصب مباشرة في المجرى، مما حول النهر إلى خندق أسود يطرد الحياة والبشر على حد سواء.

لم يكتفِ باندي، بصفته مفوضاً بلدياً، بإصدار الأوامر من مكتبه، بل نزل إلى الميدان محركاً طاقات المجتمع. لم تكن الميزانيات الحكومية وحدها هي المحرك، بل كانت الإرادة الجماعية؛ حيث تضافرت جهود الشركات الكبرى عبر مبادرات المسؤولية الاجتماعية مع حماس الطلاب والمتطوعين الشباب الذين تولوا مراقبة مستويات التلوث والتبليغ عن المخالفات في تجربة فريدة من نوعها للحوكمة التشاركية.

كان العمل شاقاً وهيكلياً؛ فبينما كانت الجرافات تزيح جبالاً من الركام، كانت الكتيبة البيئية التابعة للجيش الإقليمي تزرع أشجار الخيزران والنباتات المحلية لتثبيت الضفاف المستحدثة. أقيمت الجدران القفصية لمنع التآكل، وبدأت ملامح النهر القديم تظهر من تحت طبقات الإهمال، ليعود الجريان رويداً رويداً إلى المجرى الذي ظل ساكناً ومختنقاً لعقود.

اليوم، تبدلت ملامح المكان؛ اختفت الروائح المنفرة وحلّت مكانها أصوات الطيور المائية التي عادت لتعشش على الضفاف المستصلحة. يستطيع العابر الآن أن يلمح انعكاس الضوء على سطح الماء، في مشهد يذكر سكان المدينة بأن الطبيعة لا تموت، بل تنتظر فقط يداً حانية تزيل عنها غبار الإهمال. لقد أثبت أستيك باندي أن البيروقراطية، حين تتسلح بالرؤية الإنسانية، يمكنها أن تعيد خلق الحياة في الأماكن التي ظن الجميع أنها ضاعت للأبد.