لم تكن هذه القافلة الطبية مجرد إجراء مؤسساتي، بل كانت لقاءً إنسانياً في "مدينة الألف عام". فعلى مدار اليوم، تدفق 239 رجلاً و89 امرأة إلى المركز الطبي، حاملين معهم آلاماً جسدية تراكمت في المخيمات العشوائية المنتشرة في ضواحي المدينة، وبالقرب من غابات جامعة محمد الأول. هناك، حيث تنخفض درجات الحرارة في ليالي الشتاء إلى 4 درجات مئوية، تصبح الأنفاس ثقيلة والتهابات الجهاز التنفسي رفيقاً دائماً لمن ينامون في العراء.
بين ممرات العيادة، تحرك متطوعون مغاربة وزملاء لهم من دول جنوب الصحراء بانسجام هادئ. تبادلوا الكلمات بلغات مختلفة، لكن الإيماءات كانت واحدة: يد تمتد لتضميد جرح ناتج عن السير الطويل، وأخرى تقدم الدواء لأمٍ أرهقها القلق. لم يكن أحد يسأل عن الأوراق الثبوتية؛ فالحاجة الإنسانية كانت هي الهوية الوحيدة المعترف بها في تلك اللحظة.
تكتسب هذه المبادرة ثقلها من موقع وجدة كبوابة رئيسية، فهي تبعد مسافة قصيرة عن نقطة العبور "زوج بغال" التي ظلت مغلقة لعقود. في هذا الفراغ الجغرافي والسياسي، اختار المجتمع المدني المحلي ألا يترك العابرين لمصيرهم. لقد تحولت العيادة إلى مساحة من السلم، بعيداً عن ضجيج الأزمات، حيث يتم التعامل مع حالات الجفاف الشديد والإصابات الجلدية بعناية فائقة تعيد للإنسان كرامته التي نهبتها طرق الهجرة.
ومع غروب شمس ذلك اليوم، غادرت العائلات العيادة، محملة ببعض الأدوية وكثير من الطمأنينة. إن هذه اللحظات من التضامن الهادئ في أطراف المغرب، تثبت أنه حتى في أكثر المناطق تعقيداً، يظل في وسع المرء أن يختار اللطف كطريقة وحيدة لمواجهة قسوة العالم.