بالنسبة لـ أشرف بطي، رئيس مصلحة الشراكة بالمديرية الجهوية للوكالة الوطنية للمياه والغابات، فإن هذا الوادي ليس مجرد مجرى مائي متقطع، بل هو ذاكرة حية للطبيعة. منذ تصنيف الجزء السفلي منه ضمن اتفاقية رامسار الدولية، أصبح الوادي يمثل حلقة الوصل المفقودة في ممر الهجرة الغربي، مستقبلاً أسراباً تعبر القارات من أوروبا نحو أعماق أفريقيا. يوضح بطي أن الموقع يستضيف بانتظام أكثر من 25 نوعاً من الطيور المائية، بينما تتسع قدرته الاستيعابية لتشمل نحو 60 نوعاً في مواسم الذروة.

خلف هذه الأرقام، تكمن قدرة مذهلة على التكيف يدرسها الباحث في علم الطيور التطبيقي حميد ركيبي إدريسي. ففي هذا المحيط القاسي، تتعلم الأنواع المائية كيف تعيش وتتكاثر على مدار العام، مستفيدة من التوازن الدقيق الذي يخلقه سد الساقية الحمراء، والذي يحجز مياه الأمطار النادرة ليحولها إلى برك ملحية غنية بالغذاء ومجتمعات من نبات القصب الكثيف.

لا يتوقف الطموح عند مراقبة الطيور وهي تحط بسلام، بل يمتد ليشمل البشر الذين يتقاسمون هذا الفضاء. يطالب محمد عادل عصفوري، الناشط البيئي، بضرورة تحويل هذا الملجأ الطبيعي إلى مدرسة مفتوحة. يرى عصفوري أن وجود طيور نادرة ومهددة بالانقراض في قلب الصحراء هو دعوة صامتة للحماية، وهو ما دفع بطي لتقديم مقترح بإنشاء "مسار بيئي" ومركز للتربية البيئية لطلاب المدينة وسكانها.

هكذا يتحول وادي الساقية الحمراء من مجرد اسم على الخريطة إلى كائن يتنفس. فبينما تحوم طيور أبو ملعقة فوق المياه، يدرك القائمون على حماية هذا المكان أن الحفاظ على هذه البقعة الرطبة ليس ترفاً علمياً، بل هو فعل صون لجمال وحيد يقاوم الجفاف، وضمان لرحلة الطيور التي لا تعرف حدوداً سوى غريزة البقاء.