ولد ترزي في بيروت عام 1980، في منتصف حرب امتدت خمس عشرة سنة، ودرس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية في بيروت. مرسمه اليوم في الكرنتينا، الحي الصناعي الملاصق للمرفأ، حيث يجمع المجلات والكتب ومجموعات الصحف التي يقطّعها. الحي نفسه يحمل طبقات مما يشتغل عليه: مجزرة في كانون الثاني 1976 في بداية الحرب، ثم انفجار المرفأ في 4 آب 2020 الذي كان من أشد ما أصابه.
ما يفعله ترزي تتولاه عادة مؤسسات عامة: حفظ الأرشيف، ترتيبه، إتاحته. في لبنان تركت هذه المهمة معلّقة، فتولاها أفراد. صحيفة «لوريان توداي» تصفه بحارس غير رسمي للذاكرة التاريخية. هو نفسه يرفض أن يلقي درساً في التاريخ، لكنه يمرّر رواياته الأساسية عبر الصورة بدل النص.
قبل هذا المعرض، قدّم عام 2022 «ذاكرة مدينة من ورق» في مؤسسة «أمم للتوثيق والأبحاث» في حارة حريك. استند العمل إلى أكثر من مئة مطبوعة لبنانية بين ثلاثينيات القرن الماضي وأواخر الثمانينيات، ورتّبها حول صورتين تتكرران في صفحاتها: المرأة بوصفها رمز حرية ورغبة، ومشاهد الكفاح المسلح. أسّس «أمم» عام 2004 الناشر والناشط لقمان سليم والمخرجة الألمانية مونيكا بورغمان. قُتل سليم رمياً بالرصاص في سيارته جنوبي لبنان في شباط 2021، ونال ترزي الجائزة التي تحمل اسمه عام 2023.
أسمهان، التي تطلّ من الكولاجات، ولدت أمل الأطرش عام 1912 في عائلة درزية من جبل الدروز، وشقيقها الملحن فريد الأطرش. غنّت ومثّلت في القاهرة أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، ثم انتهت حياتها حين انحرفت السيارة التي تقلّها إلى قناة ريّ في دلتا النيل. غرقت هي ورفيقتها، ونجا السائق. ثماني سنوات من العمل، ثم صمت طويل تتكفّل به الصفحات المطبوعة وحدها.
استغرق الفيلم المرافق للمعرض عشر سنوات تقريباً، بمساندة «أمم» وبرنامج «بيريت» التابع لليونسكو. أعمال ترزي موجودة في مقتنيات المتحف البريطاني، وتمثّله غاليري كرينتسينغر في فيينا منذ إقامته الفنية هناك عام 2011، ونال عام 2024 منحة الإرشاد «سرديات متحركة» من مؤسسة برنس كلاوس والمجلس الثقافي البريطاني.
ما يشتغل عليه، في وصف العمل نفسه، هو حداثة عربية لم تكتمل: مشروع بدأ في صفحات هذه المجلات وتوقف في مكان ما. القصاصات التي ينتشلها من القمامة كانت ستختفي بلا ضجة. هو يعيد ترتيبها في غرفة واحدة، ويترك للزائر أن يقرأ ما بينها.