لم تكن رحلة العودة وليدة الصدفة، بل بدأت كفكرة طموحة في ذهن سيباستيان دي مارتينو، مدير الحماية في مؤسسة Rewilding Argentina، منذ عام 2017. كان عليه أن يجمع شتات عائلة من قارات مختلفة؛ "نيما" التي وصلت من مدريد، و"كوكو" القادم من الدنمارك. في بيئتهما الجديدة بمستنقعات إيبيرا، وهي ثالث أكبر منطقة رطبة في العالم، وُلد الصغيران "بيرو" و"كيرا" في أواخر عام 2024، ليكون أول جيل يولد في هذه المياه منذ عقود.

لاحظت الطبيبة البيطرية إيفا مارتينيز، التي تابعت "نيما" في مدريد، أن الأنثى كانت تملك طبعاً خجولاً تجاه البشر، وهي سمة نادرة جعلتها المرشحة المثالية للعيش بعيداً عن صخب المدن. تطلب التحضير للحرية تدريباً شاقاً؛ تعلمت القضاعات صيد الأسماك الحية في أسيجة مائية مخصصة، واعتادت على أصوات الطبيعة بدلاً من ضجيج الزوار، حتى باتت جاهزة لتولي دورها كأهم مفترس مائي في النظام البيئي.

تتميز هذه الكائنات بجمال فريد يكمن في بقع الفراء الصفراء الشاحبة على أعناقها، وهي علامات تشبه بصمات الأصابع، لا يتشابه فيها اثنان. وبينما كانت هذه الفراء سبباً في مطاردتها وقتلها بالآلاف في منتصف القرن الماضي، أصبحت اليوم وسيلة للعلماء لمراقبة تكيف العائلة مع موطنها الجديد عبر تحليل الحمض النووي لعينات المياه.

يمثل وجود هذه العائلة في بحيرة بارانا استعادة لوظيفة بيئية غائبة؛ فهي كائنات اجتماعية تبني "مراحيض جماعية" على ضفاف الأنهار لترسيم حدود مناطقها وتبادل الإشارات الشمية، مما ينظم حركة الأحياء المائية الأخرى. إن نجاح دي مارتينو وفريقه في إعادة أول حيوان ثديي منقرض محلياً إلى الأرجنتين يثبت أن الطبيعة قادرة على مداواة جراحها إذا ما وجدت من يمد لها يد العون بذكاء وصبر.