يتحرك ريجينو مونتيس، مدير المعهد الوطني للشعوب الأصلية، بين أروقة هذه الجامعة التي صُممت لتكون جسراً بين الأجيال. يرفض مونتيس فكرة المؤسسات التي تُفرض بقرارات أحادية؛ فهذه الجامعة ولدت من رحم مشاورات مجتمعية مكثفة، حيث كانت الكلمة الفصل للسكان الذين يخشون أن تموت لغاتهم برحيل كبار السن. لم تكن المنحة الأرضية مجرد تنازل عقاري، بل كانت عقداً مع المستقبل، تبرعت فيه سلطة الأراضي المشاعية المحلية بالأرض لضمان بقاء أصوات أجدادهم مسموعة في الفصول الدراسية.
تستقبل الجامعة اليوم دفعتها الأولى المكونة من 50 طالباً جاؤوا من 14 ولاية مكسيكية، يحملون معهم تنوعاً لسانياً يمتد من سواحل المحيط الهادئ إلى غابات الجنوب. لا يكتفي هؤلاء الطلاب بالدراسة الأكاديمية في قاعات المحاضرات، بل يُقيمون بناءً على مشاريع ميدانية تعيد الحياة للغاتهم في مجتمعاتهم الأصلية، مما يحول العلم من نصوص جامدة إلى فعل حي يتنفس في القرى.
تركز التخصصات الأربعة التي تقدمها الجامعة على جوانب جوهرية لاستمرار الوجود الثقافي: الترجمة، والأدب، والاتصال الثقافي، والتدريس. وتؤكد بيرثا ديماس، منسقة التراث الثقافي، أن المهمة تتجاوز التأهيل المهني؛ إنها محاولة لاستعادة "الروح الجماعية" التي تضيع مع فقدان المفردات. ففي بلد يضم 364 متغيراً لغوياً، يمثل موت أي لغة انطفاءً لمنظور فريد تجاه العالم والطبيعة.
في ميلبا ألتا، التي لا تزال أصداء لغة الناواتل تتردد في أسواقها المفتوحة، أصبح التعليم العالي أداة للمقاومة الهادئة. هنا، يتعلم الشباب كيف يحولون لغاتهم القديمة إلى لغة للحقوق والقانون والتواصل الحديث، مؤكدين بوجودهم أن الصمت الذي فرضته القرون يمكن تبديده عبر تدوين الكلمات التي كانت تكتفي بالهواء وسيلة للبقاء.