بدأت الحكاية في قرية باسوس التابعة لمحافظة القليوبية، حين اخترقت شظايا "الخرطوش" ساق الصغير، فتركت العظام عارية تماماً من الجلد والعضلات والأوعية الدموية. قطعت الأسرة مسافة خمسة عشر كيلومتراً وصولاً إلى كورنيش النيل، حيث يقع معهد ناصر، وهناك اتخذ الجراحون قرارهم: لن نلجأ للبتر إلا إذا استنفدنا كل ذرة جهد ممكنة.

داخل الغرفة، انقسم الفريق إلى مجموعتين تعملان في آن واحد؛ مجموعة تُهذب الجرح وتعد الساق المهشمة، وأخرى تستأصل سديلة من الجلد والعضلات من ظهر الطفل نفسه لتعويض الأنسجة المفقودة. كان المشهد يتطلب تركيزاً يتجاوز حدود الصبر البشري، حيث انحنى الدكتور وائل عياد وفريقه فوق المجهر الجراحي لساعات طوال، يتعاملون مع شرايين لا يتجاوز قطرها 1.5 مليمتر.

ومع انتصاف الليل، وبعد اثنتي عشرة ساعة من العمل المجهري الدقيق باستخدام خيوط جراحية أرق من رمش العين، حدثت اللحظة التي انتظرها الجميع. بدأت الدماء تتدفق مرة أخرى في العروق المرممة، لتدب الحرارة في القدم التي كانت قبل ساعات باردة وشاحبة. لم يكن النجاح مجرد إنجاز تقني، بل كان عودة للحياة في طرف كاد أن يضيع للأبد.

غادر الطفل غرفة العمليات إلى وحدة الرعاية المركزة، ليس ليرتاح فحسب، بل ليبدأ رحلة تأهيل طويلة. وفي ممرات المعهد، كانت الإشادة التي وجهها الدكتور محمود سعيد للفريق الطبي تعكس شعوراً عاماً بالارتياح؛ فخلف الأرقام والإجراءات، هناك طفل سيعود يوماً ليركض في شوارع قريته بفضل إرادة بشرية رفضت الاستسلام للسهل.