يدرك خافيير غروسفيلد، الباحث في المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية (CONICET)، أن المعركة من أجل غابة الأروكاريا لا تقتصر على الزراعة فحسب، بل تبدأ بالمواجهة. يقف غروسفيلد مراقباً، يوجه الفرق لإزالة أشجار الصنوبر والورد البري التي غزت المنطقة؛ فهذه النباتات الدخيلة، بنموها السريع، تخنق شتلات "البيهوين" قبل أن تجد طريقها إلى الضوء. يوضح غروسفيلد بهدوء الواثق أن الأشجار الأصيلة، رغم صمودها لآلاف السنين، لا يمكنها المنافسة وحدها في هذه المرحلة؛ إذ يجب تمهيد الأرض لها أولاً.
تحت إشرافه، يختار المتخصصون مواقع الغرس بعناية فائقة، محددين كثافة الشتلات وظروف التربة التي تضمن البقاء. لا يبحث غروسفيلد عن نتائج سريعة، بل عن استمرارية تقاس بالعقود والقرون، حيث يتم وضع بروتوكولات مراقبة دقيقة لكل شتلة توضع في الأرض.
إن شجرة الأروكاريا تعيش وفق إيقاع زمني يختلف تماماً عن وتيرة العالم الحديث. تمر ربع قرن قبل أن تطرح الشجرة الأنثى مخاريطها الثقيلة، التي طالما كانت مصدر الغذاء الأساسي لشعب "بيوهينتشي"، أو "شعب البيهوين"، الذين ارتبط مصيرهم بهذه الغابة منذ الأزل. وحين التهمت حرائق عامي 2013 و 2021 آلاف الهكتارات من الغابات الأصلية، لم يكن الأمر مجرد خسارة بيئية، بل كان جرحاً في ذاكرة الأرض.
بينما يضغط المتطوعون التربة حول سيقان الشتلات الصغيرة، يتردد صدى فعلهم كفعل إيمان بالمستقبل. يدرك غروسفيلد أن معظم من يغرسون اليوم لن يشرق عليهم الفجر الذي تصبح فيه هذه الشتلات أشجاراً باسقة، لكنهم يختارون، بوعي وهدوء، أن يكونوا الجسر الذي تعبر عليه هذه الغابة من حافة الزوال إلى رحابة البقاء.