تعود المدينة المكتشفة إلى عهد همام بن يوسف، الزعيم التاريخي لقبائل هوارة الذي بسط نفوذه على منطقة شاسعة امتدت من المنيا إلى أسوان. هنا، بعيداً عن سطوة المماليك في القاهرة، أقام "شيخ العرب" كياناً سياسياً شبه مستقل، حيث أدار رجاله مزارع قصب السكر والحبوب من مراكز حضرية كانت قرية العركي إحداها، تاركين خلفهم بقايا جدران وأدوات معيشية تحكي قصة مجتمع زراعي محارب.
لكن المفاجأة الحقيقية تكمن في الطبقة السفلى؛ فبمجرد رفع أنقاض مدينة القرن الثامن عشر، ظهرت جبانة قبطية تعود إلى العصر البيزنطي. عثر الفريق المصري الفرنسي على 23 هيكلاً عظمياً لرجال ونساء وأطفال، تحمل بعضها آثار تحنيط جزئي، وهو ما يعكس مرحلة انتقالية في تاريخ الدفن المصري، حيث امتزجت تقاليد التحنيط القديمة باستخدام ملح النطرون مع بساطة الطقوس المسيحية المبكرة والكتان المحلي.
يسعى بيير تاليه، بصفته مديراً للمعهد الفرنسي للآثار الشرقية، من خلال دراسة هذه الرفات إلى فهم أعمق للمجتمع القبطي في صعيد مصر. لا تقتصر التحليلات على تحديد الأمراض السائدة فحسب، بل تمتد لتشمل دراسة أنماط الهجرة والزواج، مما يعيد رسم ملامح الحياة اليومية لأسر غابت تحت رمال قنا لقرون طويلة، قبل أن تأتي خيول شيخ العرب همام لتبني فوقها مدينتها العابرة.