لقد تغير وجه الجزائر الديموغرافي بصمت؛ فمنذ فجر الاستقلال حين كان متوسط العمر لا يتجاوز الستة وأربعين عاماً، وصل اليوم إلى عتبة 76 عاماً. هذا النجاح الحيوي وضع المنظومة الصحية أمام تحدٍ جديد لم يعد الطب العام قادراً على الوفاء بمتطلباته المعقدة. وفي قاعات مصلحة الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل التابعة للمستشفى الجامعي بمدينة البليدة، تعالت الأصوات المطالبة بتحويل "طب الشيخوخة" من ممارسة جانبية إلى تخصص وطني قائم بذاته.
بينما كانت بطاقة "الشفاء" البيومترية تمر عبر أجهزة الصيادلة لتأمين الأدوية المزمنة لآلاف المسنين، كان الأطباء في الداخل يناقشون ما هو أعمق من الدواء: الحاجة إلى مراكز تأهيل متخصصة وتدريب جيل جديد من الممارسين على فهم هشاشة الجسد في خريفه. كان الحاضرون يدركون أن الطب لا يقتصر على إطالة العمر، بل في جعل تلك السنوات الإضافية جديرة بالعيش.
لم يأتِ أطباء المهجر، الذين يقدر عددهم بنحو 15 ألف طبيب في فرنسا وحدها، حاملين نظريات مجردة، بل جاؤوا برغبة حقيقية في نقل خبراتهم إلى الأرض التي تعلموا فيها أبجديات الطب الأولى. إن الالتزام الذي أبداه هؤلاء الأطباء يعكس رابطاً إنسانياً لم تنل منه المسافات؛ فالمسألة بالنسبة لهم ليست مجرد نقل تقنيات جراحية، بل هي رد دين لجيل لا يزال أكثر من 60% منه يعيشون في بيوت تضم ثلاثة أجيال تحت سقف واحد.
تنتهي الجلسات بمقترح صلب لإعداد مخطط وطني شامل، يهدف إلى جعل طب الشيخوخة ركيزة أساسية في قانون الصحة. وفي خضم النقاشات العلمية الجافة، كانت هناك إيماءة تقدير صامتة في عيون الأطباء الشباب تجاه أساتذتهم العائدين، إيماءة تلخص جوهر الحرفة: أن رعاية الإنسان في ضعفه هي أسمى مراتب الوفاء.